محمود محمود الغراب
113
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
وجعلهما محل تمحيص وبلوى للطائفتين ، فوجه إليهم على لسان واحد منهم حكمين ، فأمر ونهى لتميز الكلمتين ، فمن وحّد حبي بنار وجنتين ، ومن أشرك جوزي بجنة ونارين « 1 » . واعلم يا بني أن اللّه خلق الإنسان بين ستة أعلام ، الفوق والتحت واليمين والشمال والخلف والأمام ، فالفوق والتحت اختص بهما رب العزة من طريق المثل والمثال ، والحقيقة والخيال ، فالفوق للرؤية والتحت للحجاب ، فكانت الجنة ثمانية أبواب للرؤية الإلهية ، وكانت النار سبعة أبواب للحجب النفسانية ، ولو كان الحجاب بابا مغلقا لفتح يوما ما ، وانقلبت الحقائق واستوى البصير والأعمى ، وأما بقية الأعلام اليمين والشمال والخلف والأمام ، فهي مرتبة على مراتب الجنة والنار ، ومنها يأتي الملك بالطاعة المحلّة دار القرار ، وإبليس بالمعصية الموصلة إلى دار البوار ، قال تعالى ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أخبر بذلك عن إبليس ، وفي مقابلته ملك التقديس ، وهذه قسمة مدينة الإنسان ، وهو مخاطب من ثلاث جهات : روح ونفس وجثمان ، في كل علم من هذه الأعلام الأربعة ، ولهذا كانت مدينته مربعة ، وللشيطان في كل علم سبع مردة ، وللملك في كل علم سبعة وزعة ، ملكان للروح ومريدان ، وملكان للجسم ومريدان ، وملك واحد للنفس ومريد ، وملك واحد سادس بين الروح والنفس ، ويقابله مريد عنيد ، وملك سابع بين النفس والجسم ويقابله مريد عنيد ، وهكذا في كل علم من الأعلام ، مردة للوساوس وملائكة للإلهام ، فمتى أتى الملك بلمته وهمته ، أتى إبليس بلمته وعزمته ، ومن ارتقى عن الملك والشيطان ، بدت لعينيه إصبعا الرحمن ، ولما كانت أعلام الإنسان أربعة ، والجنة أربعة ، والنار أربعة ، كانت المنازل في الكثيب والحجاب أربعة ، فالمنزل الواحد في الكثيب والحجاب منابر ، والمنزل الثاني أسرة ، والمنزل الثالث كراسي ، والمنزل الرابع مراتب ، وقد يدخلها كسر كما دخل في الأعمال ، وفي عدم تتميم الأحوال ، قال عليه السلام : يقبل من الصلاة عشرها تسعها ثمنها ، هكذا إلى نصفها ؛ فقد جاء بالعدد
--> ( 1 ) يعني أن الموحد حبي بنار الدنيا التي هي سجن المؤمن ، وجنتين وهما الجنة المحسوسة والجنة المعنوية في الآخرة ، ومن أشرك جوزي بجنة الدنيا التي هي جنة الكافر ، وجوزي بنارين : نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة والنار التي تحرق الجلود في الآخرة .